الغزالي
126
إحياء علوم الدين
وإنما يعظم أثر الاحتراق لأن أجزاء النار تغوص في سائر أجزاء البدن ، فلا يبقى جزء من العضو المحترق ظاهرا وباطنا إلا وتصيبه النار ، فتحسه الأجزاء الروحانية المنتشرة في سائر أجزاء اللحم . وأما الجراحة فإنما تصيب الموضع الذي مسه الحديد فقط ، فكان لذلك ألم الجرح دون ألم النار . فألم النزع يهجم على نفس الروح ، ويستغرق جميع أجزائه ، فإنه المنزوع المجذوب من كل عرق من العروق ، وعصب من الأعصاب ، وجزء من الأجزاء ، ومفصل من المفاصل ومن أصل كل شعرة وبشرة من الفرق إلى القدم . فلا تسأل عن كربه وألمه ، حتى قالوا إن الموت لأشد من ضرب بالسيف ، ونشر بالمناشير ، وقرض بالمقاريض . لأن قطع البدن بالسيف إنما يؤلم لتعلقه بالروح ، فكيف إذا كان المتناول المباشر نفس الروح . وإنما يستغيث المضروب ويصيح لبقاء قوّته في قلبه وفي لسانه . وإنما انقطع صوت الميت وصياحه مع شدة ألمه لأن الكرب قد بالغ فيه ، وتصاعد على قلبه ، وبلغ كل موضع منه ، فهدّ كل قوة ، وضعف كل جارحة ، فلم يترك له قوة الاستغاثة . أما العقل فقد غشيه وشوّشه . وأما اللسان فقد أبكمه . وأما الأطراف فقد ضعفها . ويود لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح والاستغاثة ، ولكنه لا يقدر على ذلك . فإن بقيت فيه قوة سمعت له عند نزع الروح وجذبها خوارا وغرغرة من حلقه وصدره ، وقد تغير لونه وأربد ، حتى كأنه ظهر منه التراب الذي هو أصل فطرته ، وقد جذب منه كل عرق على حياله . فالألم منتشر في داخله وخارجه حتى ترتفع الحدقتان إلى أعالي أجفانه ، وتتقلص الشفتان ، ويتقلص اللسان إلى أصله ، وترتفع الأنثيان إلى أعالي موضعهما ، وتخضر أنامله . فلا تسل عن بدن يجذب منه كل عرق من عروقه . ولو كان المجذوب عرقا واحدا لكان ألمه عظيما ، فكيف والمجذوب نفس الروح المتألم ، لا من عرق واحد ، بل من جميع العروق . ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجا ، فتبرد أولا قدماه ، ثم ساقاه ، ثم فخذاه . ولكل عضو سكرة بعد سكرة ، وكربة بعد كربة ، حتى يبلغ بها إلى الحلقوم ، فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها ، ويغلق دونه باب التوبة ،